ابن خلدون
135
تاريخ ابن خلدون
أتاهم الله بها من الملك الذي وعدهم به ثم انسلخوا من ذلك أجمع وضربت عليهم الذلة والمسكنة وكتب عليهم الجلاء في الأرض وانفردوا بالاستعباد للكفر آلافا من السنين وما زال هذا الوسواس مصاحبا لهم فتجدهم يقولون هذا هاروني هذا من نسل يوشع هذا من عقب كالب هذا من سبط يهوذا مع ذهاب العصبية ورسوخ الذل فيهم منذ أحقاب متطاولة وكثير من أهل الأمصار وغيرهم المنقطعين في أنسابهم عن العصبية يذهب إلى هذا الهذيان . وقد غلط أبو الوليد بن رشد في هذا لما ذكر الحسب في كتاب الخطابة من تلخيص كتاب المعلم الأول والحسب هو أن يكون من قوم قديم نزلهم بالمدينة ولم يتعرض لما ذكرناه وليت شعري ما الذي ينفعه قدم نزلهم بالمدينة إن لم تكن له عصابة يرهب بها جانبه وتحمل غيرهم على القبول منه فكأنه أطلق الحسب على تعديد الآباء فقط مع أن الخطابة إنما هي استمالة من تؤثر استمالته وهم أهل الحل والعقد وأما من لا قدرة له البتة فلا يلتفت إليه ولا يقدر على استمالة أحد ولا يستمال هو وأهل الأمصار من الحضر بهذه المثابة إلا أن ابن رشد ربا في جبل وبلد ولم يمارسوا العصبية ولا أنسوا أحوالها فبقي في أمر البيت والحسب على الامر المشهور من تعديد الآباء على الاطلاق ولم يراجع فيه حقيقة العصبية وسرها في الخليقة والله بكل شئ عليم الفصل الرابع عشر في أن البيت والشرف للموالي وأهل الاصطناع انما هو بمواليهم لا بأنسابهم وذلك أنا قدمنا أن الشرف بالأصالة والحقيقة إنما هو لأهل العصبية فإذا اصطنع أهل العصبية قوما من غير نسبهم أو استرقوا العبدان والموالي والتحموا به كما قلناه ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبية ولبسوا جلدتها كأنها عصبتهم وحصل لهم من الانتظام في العصبية مساهمة في نسبها كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم مولى القوم منهم وسواء كان مولى رق أو مولى اصطناع وحلف وليس نسب ولادته بنافع له في تلك العصبية إذ هي مباينة لذلك النسب وعصبية ذلك النسب مفقودة لذهاب سرها عند التحامه بهذا النسب الآخر وفقدانه أهل عصبيتها فيصير من هؤلاء ويندرج فيهم فإذا تعددت له الآباء في هذه العصبية كان له بينهم